الأربعاء 13 ربيع الثاني / 11 ديسمبر 2019
01:10 ص بتوقيت الدوحة

حوار الأرزة و«أبجد هوز حطي»

سحر ناصر

الخميس، 21 نوفمبر 2019
حوار الأرزة و«أبجد هوز حطي»
حوار الأرزة و«أبجد هوز حطي»
كلّما ارتفع صوت الإنسان مطالباً بحقوقه الأساسية من السلطات السياسية في عدد لا بأس به من الدول العربية، وفي مقدّمتها لبنان، يُسارع الساسة إلى إحالة الإنسان إلى الدستور.
ولأنني مواطنة صالحة، حملتُ الدستور اللبناني بعناية فائقة، وحبّ، وشغف لبنانيّ بحت؛ وحرصتُ ألّا تتحرك الأرزة يميناً أو يساراً وسط اللونين الأبيض والأحمر. وفي حضرة الدستور، لا بدّ أن تعرّف عن نفسك، فقلتُ له: «أنا المواطن الذي وُلد خلال الاجتياح الإسرائيلي على لبنان، وشهد على جرائم القتل التي ارتكبتها الأحزاب، ورأيتُ الجثث والدم في حرب الآخرين على أرض لبنان، وافترشتُ وإخوتي وأهلي وجيراني الملاجئ التي تقع تحت الأرض، وما زالت رائحة الرطوبة وصوت الرصاص والقذائف تهزّ قلبي. لم يتعرّف عليّ الدستور في بداية الأمر، أو على الأقل ادّعى أنه لم يعرف ملامحي، وكيف أعتبُ عليه وأنا الذي تركته في مكتبتي الصغيرة بغرفتي في بيروت منذ أكثر من 10 أعوام. عاتبني قليلاً حيث تمنّعت صفحاته على يديّ، فالتصقت ببعضها البعض وتحدّت أناملي محاولةً استفزازي.. هل سأمزّقها أم سأُباعدها وأسمح لهواء «الثورة» المنعش أن يتسلّل إلى طيّاتها؟
منحتني الأرزة بركتها، وفتحت لي الأبواب الستة التي يتألف منها دستورها، وأهدتني الرقم (13) الذي يحمل التفاؤل والقلق في الوقت نفسه؛ حيث الشيطان يكمن في تفاصيلها. بشرّني هذا الرقم بأن حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحریة الطباعة مكفولة ضمن دائرة القانون.. وما أدراك من يضع القانون ومن ينفّذه ويراقبه؟
أخدتني البنود والمواد بين أحكام نهائية وأخرى مؤقتة، وأخرى بين البينَيْن. وفي مسعًى منه لسَحبي كالرمال المتحركة، شعرتُ لبرهة أنني دخلتُ المدينة الفاضلة، وإذا بي أسمع ضحكة «أفلاطون» -صاحب هذه المدينة- يستهزئ بي، ومِن حوله لفيف من الضجيج الصادر عن همسات و«وشوشات» مَن وقّعوا على «اتفاق الطائف»، وأدرجوا «مقدّمة» لخّصوا فيها أحلامنا، التي اتضح فيما بعد أنها كوابيسهم!
وضعت يدي على المقدّمة وأنا أبحث بين السطور عن جواب شافٍ للُبنانيتي، فإذا بـ «أبجد هوز حطي» تصرخ طالبةً منّي -بنبرة حاسمة وقاسية إلى حدّ الشراسة- ألّا ألمس أي كلمة أو مصطلح أو بند؛ حيث إن النظام بأكمله قائم عليها، وأية لمسة أو همسة أو هزّة تُسقط المعبد على رأس الصالح والطالح.
عندها، استأذنتُ من الدستور وأردتُ المغادرة كأي مواطن صالح. تمسكَّتْ بي «أبجد هوز حطي» وبكت! لم أتجرأ على سؤالها عن حالها؛ لكني سمعتها تناشد الأرزة قائلة: «أيا أُمّاه، تعبتُ من خدمة الظالم والجور على المظلوم.. أيا أمّاه، يتحججون بي بأنهم أحرار وأسياد ومستقلّون وهم تابعون حدّ العبودية.. أيا أمّاه، يتغنّون بالديمقراطية البرلمانية والشعب مصدر السلطات وهم يقتلون الشعب بالمرض والمخدرات والعوز ويسحبون روحه.. أيا أمّاه، يتخذونني ذريعةً بأن أرض لبنان واحدة لكل اللبنانیین، لكنهم هجّروا أبنائي وأبناءك، يدّعون العيش المشترك وهم يزرعون الفرقة بين الأخ وأخيه منذ الولادة والحروف الأولى».
أودعتُ الدستور بين الرفوف وفي العيون، وأنشدتُ لـ «أبجد هوز حطي»؛ علّها تستدعي الهمم: كلنا للوطن للعلى العلم!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا